محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
322
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
كانوا يأمرون الناس بالصلاة ولا يصلّون إذا انفردوا ؛ فقيل لهم : اركعوا مع الراكعين ، ولذلك عقّبه بقوله : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) اللغة والتفسير قال أهل التفسير : « البرّ » اسم جامع لأعمال الخير ، ومنه برّ الوالدين أي الطاعة لهما وفعل ما يرضيهما ؛ ويقال : عمل مبرور ، أي مرضيّ مقبول ؛ وقد يكون البرّ بمعنى الصدق ، يقال : برّ في يمينه ، أي صدق ؛ قال تعالى : كِرامٍ بَرَرَةٍ أي صادقين ؛ والبرّ الصلة والإحسان ، واشتقاقه : بررت أبرّ برّا ، فأنا بارّ وبرّ ؛ والخطاب أيضا لليهود ؛ لأنّ الرجل منهم كان يقول لأقربائه وصهره وحليفه من المسلمين في السرّ إذا سأله عن شأن المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - : أثبتوا على الدين الذي أنتم عليه وما يأمركم به هذا الرجل ؛ فإنّ أمره حقّ وقوله صدق ؛ فأنزل اللّه تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ ( 140 آ ) أي بالإسلام ، وتنسون أنفسكم ، أي تتركونها فلا تلزمونها ذلك . وقال بعض أهل اللغة : « 1 » لفظ « تنسون » مستعار في هذا الموضع ؛ فيخبر به عن الترك ؛ فيكون ذلك أنفع في الإفهام وتسكيت المخاطبين ؛ والتفسير الذي ذكرناه قول الكلبي ومقاتل والضحّاك . وقال قتادة والسدّي : كانوا يأمرون بطاعة اللّه وهم يعصونه ، والبرّ - على هذا - : الطاعة والدين والتقوى ؛ وقال ابن عبّاس وأبو إسحاق : « 2 » البرّ التمسّك بالتوراة والعمل بما فيه ؛ وقال ابن عبّاس : كانوا يأمرون الناس بالتمسّك بكتابهم ويتركونه بجحود ما فيه من نبوّة المصطفى - عليه السلام - ، ونحوه قال الزجّاج . وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ وتعلمون ما فيه أَ فَلا تَعْقِلُونَ ، أي أفلا تفهمون تناقض هذا وأنّه يلزمكم في علمكم ما يلزمهم ؟ وقيل : أفما لكم عقول تدركون ؟ وقيل : أفلا تعقلون أنّه حقّ فتصدّقونه وتتّبعونه ؟ وروى سعيد عن قتادة قال : ذكر لنا أنّ في التوراة : ابن آدم يذكرني
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .